ابن كثير

265

البداية والنهاية

منك فإن الأمير سيكسوك ويحسن إليك . قال : فخرج بها حتى قدم على طاوس الجند ، فقال : يا أبا عبد الرحمن نفقة بعث بها الأمير إليك ، فقال : ما لي بها من حاجة ، فأراده على أخذها بكل طريق فأبى أن يقبلها ، فغفل طاوس فرمى بها الرجل من كوة في البيت ثم ذهب راجعا إلى الأمير ، وقال : قد أخذها ، فمكثوا حينا ثم بلغهم عن طاوس ما يكرهون - أو شئ يكرهونه - فقالوا : ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا ، فجاءه الرسول فقال : المال الذي بعثه إليك الأمير رده إلينا ، فقال : ما قبضت منه شيئا ، فرجع الرسول إليهم فأخبرهم ، فعرفوا أنه صادق ، فقالوا : انظروا الذي ذهب بها إليه ، فأرسلوه إليه ، فجاءه فقال : المال الذي جئتك به يا أبا عبد الرحمن ، قال : هل قبضت منك شيئا ؟ قال : لا ! قال : فقام إلى المكان الذي رمى به فيه فوجدها كما هي ، وقد بنت عليها العنكبوت ، فأخذها فذهب بها إليهم . ولما حج سليمان بن عبد الملك قال : انظروا إلي فقيها أسأله عن بعض المناسك ، قال : فخرج الحاجب يلتمس له ، فمر طاوس فقالوا : هذا طاوس اليماني ، فأخذه الحاجب فقال : أجب أمير المؤمنين ، فقال : اعفني ، فأبى ، فأدخله عليه ، قال طاوس : فلما وقفت بين يديه قلت : إن هذا المقام يسألني الله عنه ، فقال : يا أمير المؤمنين إن صخرة كانت على شفير جهنم هوت فيها سبعين خريفا حتى استقرت في قرارها ، أتدري لمن أعدها الله ؟ قال : لا ! ! ويلك لمن أعدها الله ؟ قال : لمن أشركه الله في حكمه فجار . وفي رواية ذكرها الزهري أن سليمان رأى رجلا يطوف بالبيت ، له جمال وكمال ، فقال : من هذا يا زهري ؟ فقلت : هذا طاوس ، وقد أدرك عدة من الصحابة ، فأرسل إليه سليمان فأتاه فقال : لو ما حدثتنا ؟ فقال : حدثني أبو موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أهون الخلق على الله عز وجل من ولي من أمور المسلمين شيئا فلم يعدل فيهم " . فتغير وجه سليمان فأطرق طويلا ثم رفع رأسه إليه فقال : لو ما حدثتنا ؟ فقال : حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال ابن شهاب : ظننت أنه أراد عليا - قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام في مجلس من مجالس قريش ، ثم قال : " إن لكم على قريش حقا ، ولهم على الناس حق ، ما إذا استرحموا رحموا ، وإذا حكموا عدلوا ، وإذا ائتمنوا أدوا ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " . قال : فتغير وجه سليمان وأطرق طويلا ثم رفع رأسه إليه وقال : لو ما حدثتنا ؟ فقال : حدثني ابن عباس أن آخر آية نزلت من كتاب الله : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) [ البقرة : 281 ] . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدثني أبو معمر ، عن ابن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة قال : قال عمر بن عبد العزيز لطاوس : ارفع حاجتك إلى أمير المؤمنين - يعني سليمان - فقال طاوس مالي إليه من حاجة ، فكأنه عجب من ذلك ، قال سفيان وحلف لنا إبراهيم وهو مستقبل الكعبة : ورب هذا البيت ما رأيت أحدا الشريف والوضيع عنده بمنزلة واحدة إلا طاوس . قال : وجاء ابن